الفيض الكاشاني

83

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

يراه ولا يرى المعطي ، وبعضهم كان يصرّه [ 1 ] في ثوب الفقير وهو نائم ، وبعضهم كان يوصل إلى يد الفقير على يد غيره بحيث لا يعرف المعطي ، وكان يستكتم المتوسّط شأنه ويوصيه بأن لا يفشيه ، كلّ ذلك توصلا إلى إطفاء غضب الربّ واحترازا من الرياء والسمعة ومهما لم يمكن إلا بأن يعرفه شخص واحد فتسليمه إلى وكيل ليسلَّم إلى المسكين والمسكين لا يعرف أولى إذ في معرفة المسكين الرياء والمنّة جميعا وليس [ في معرفة ] المتوسّط إلا الرياء ، ومهما كانت الشهرة مقصودة له حبط عمله لأنّ الزكاة إزالة للبخل وتضعيف لحبّ المال وحبّ الجاه أشدّ استيلاء على النفس من حبّ المال ، وكلّ واحد منها مهلك في الآخرة ، ولكن صفة البخل تنقلب في القبر في حكم المثال عقربا لدّاغة ، وصفة الرياء تنقلب في القبر في حكم المثال أفعى من الأفاعي وهو مأمور بتضعيفهما وقتلهما لدفع أذاهما فمهما قصد الرياء والسمعة فكأنّه جعل بعض أطراف العقرب قوتا للحيّة فبقدر ما ضعف من العقرب زاد في قوّة الحيّة ولو ترك الأمر كما كان لكان الأمر أهون عليه وقوّة هذه الصفات الَّتي بها قوتها العمل بمقتضاها وضعف هذه الصفات بمجاهدتها ومخالفتها والعمل بخلاف مقتضاها ، فأيّ فائدة في أن يخالف دواعي البخل ويجيب دواعي الرياء فيضعف الأدنى ويقوي الأقوى ، وسيأتي أسرار هذه المعاني في ربع المهلكات » . أقول : وظيفة الإسرار عندنا مختصّة بالصدقة المندوبة دون الزكاة المفروضة ، قال الصادق عليه السّلام فيما روي عنه بإسناد حسن : « كلّ ما فرض اللَّه عليك فإعلانه أفضل من إسراره ، وكلّ ما كان تطوّعا فإسراره أفضل من إعلانه ، فلو أنّ رجلا حمل زكاة ماله على عاتقه علانية كان ذلك حسنا جميلا » ( 1 ) وفي الموثّق عنه عليه السّلام في قوله تعالى : « وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم » ( 2 ) قال : هي سوى الزكاة ، إنَّ الزكاة علانية غير سرّ » ( 3 ) نعم الإسرار الَّذي يجري في الزكاة الواجبة أن يعطى

--> ( 1 ) الكافي ج 3 ص 501 ، والتهذيب ج 1 ص 378 . ( 2 ) البقرة : 271 . ( 3 ) الكافي ج 1 ص 502 تحت رقم 17 ، والتهذيب ج 1 ص 378 . [ 1 ] الصرة : الدراهم وصررت الصرة شددتها .